الشاعر   محمد أبو الفضل بدران

Prof. Dr. Muhammad Abu Al Fadl  Badran 

 

الاتصال بالشاعر

 

صور  

 

رؤى نقدية فى شعره

  أخبار أدبية  

بحوث

 

مقالات

 

مؤلفاته 

 

قصائد مختارة 

    الصفحة الرئيسية
   
 

صالحة غابش

غَزَالَةٌ تُطارِدُ سَحابةَ الشّعْرِ

"خاوٍ هذا العالم يا صديقي

لا مكانَ فيه لشاعر

يملأُ حقائبَه بالقصائد

ويطاردُ سحابةً بيضاء"[1]

ربما كان هذا المقتطع معبراً عن عالم الشاعرة الإماراتية صالحة غابش الشعري، إنها تكتب نزيف القصائد ، تبحث عن ملاذ للشعراء وعن معين للقصائد فلا تجد سوى سحابة بيضاء لا يوحي لونها بمطر مرتقب، لكن ربما يوحي بفضاء تأملي يبعث على الأمل والتفاؤل.

في توظيفها المدهش للالتفات تبدو القصيدة أشبه بحلم تناجي فيه نفسها وتحاكمها ، ولوالتفتت إلى جماليات الالتفات لديها لجاءت القصائد أكثر دهشة وتفردا؛ فضمير الأنا يكاد يوجد في كل قصيدة وسرعان ما يتحول إلى هي الغائبة لكن حضورها الغائب يتلاشى في غياب الحضور ، والتذكر لديها نوع من الالتفات النفسي ، والركض الإيقاعي نحو ماضٍ كانته الذاتُ الشاعرة، ليس بالضرورة جميلا لكنه أجمل من الحاضر في كل الأحوال، وتبدو النافذةُ مفردةً أصيلة في قصائدها ،" وقد هَرِمت في نوافذها المغلقات"،والنافذة هي فاصل بين الأنا الكامنة والفضاء المجتمعي، إنها ليست رمزا للحرية فحسب بل تعدّ رمزاً للحياة والتوق للتغيير،لكنها كالشرفة هي جزء من مساحة البيت لكنها – في الوقت نفسه- جزء من الشارع،إنه التنازع والتلظّي بين عالميْ الداخل المسكونِ فيه، والخارج المسكوت عليه؛ "كُن مطرا تتوسله شرفاتٌ مهاجرةٌ من مواسم عُزلتها"

بدايات قصائدها :

بدأت رحلتها بديوان "بانتظار الشمس"1992 الذي أوحى ببدايات مبشرة وقصائد غير مكتملة ، وصور نمطية أحيانا، وإيقاع خليلي مكتمل غالبا ، ورؤى هامسة لكنها لا تكفي لإضاءة عالم مظلم يحتاج شمسا ؛ بيد أن الديوان الثاني "المرايا ليست هي"1997 جاء مزيجا من البوح والكتم ، والتلميح والتصريح ، وبدءاً من الصفحة الأولى نجد "... أما الإهداء فلا أجرؤ عليه" وهنا نجد إشكالية الفتاة العربية الشاعرة ، التي تتخفى أحيانا تحت اسم مستعار وهي تنادي بالحرية لبنات قومها لكن صالحة غابش لم تفعل مثلهن بل جاء اسمها واضحا دونما أقنعة ، لكنها لجأت إلى أقنعة التخفي اللغوية في أحايين أخرى.

وقد أتيحت لي فرصة انتقاء قصيدتين من ديوان المرايا وهما " من دفاتر ضائعة ،وانكسار مُهرة" لتدريسهما بكلية الآداب بجامعة بون بألمانيا قبل سنوات ولمست كيف كان تقبّل الطلبة والطالبات الألمان للقصيدتين، وأذكر أن إحدى الطالبات اعترضت على عنوان القصيدة الثانية واقترحت "جُموح مهرة" بديلا؛ فما لم تحكه في الإهداء حياء أم خوفا حكته في القصائد بلغة شعرية لا مواربة فيها بل كادت أن تحطم الأقنعة لتحاكم الظلم والجفاء وكأنها تتحدث عن الفتاة العربية ومعاناتها في عالَم يُجيد الأقنعة ارتداءً وخلعًا:

"شيء:

لماذا لا نجيد الاحتفال

إذا التقينا صدفة

ذاك الفتى المتأنق الضاحك؟

لماذا ندخل القاعات مُنْفرديْن

ونحضُنُ بعد ذلك بين أذرعنا

غريباً رأسُه معصوبةٌ

تنهارُ فوق صدورنا..."[2] 

هذا الكشْف الذي يحاكم الواقع في تحدٍ نراه صوت الفتاة التي تختزل انكسارها المجتمعي لتعلن الرفض الذي طالما تاقت لتصرخ به أمام الجمع ، بل أمام انكساره هو الذي ينعكس في مرآتها توقا للبوح والجمال،

عناوين قصائدها:

عناوين قصائدها هادئة توحي بالمسكنة؛ "إليك قهوتي/ امرأة مُنصتة/ من دفاتر ضائعة/احتراق/انكسار مهرة/مرثية قلب..."لكن القارئ يلمح خلف هذي اللافتات المضلِّلة الشاعرةَ الجَموح:

"اليومَ .. جمعتُ كلّ أوراقك

وخبأتُها

بعد أن فقدَتْ بريقَها المُفْرِح"[3]    

البيئة في قصائدها:

تبدو مفردات البيئة في قصائد صالحة غابش مكوِّنة واقع البيئة الخليجية العربية ، ومع تزاحم المفردات البيئية تكاد تلمح أركان الخيمة والقهوة والبحر ومضارب القبيلة والصحراء والنخيل والخيول والقمر والطيور والمطر  في مقابل المدينة ومفرداتها الزحام والبضاعة والشوارع والمقهى والصحيفة... هذه الثنائية نجدها عند معظم أدباء الخليج لكن صالحة لا تكرر ما يقوله الآخرون بل توظف هذي المفردات ليس من أجل التصارع بل من أجل الاكتمال.

إن المكان هنا بمفرداته لا يحيلنا إلى المكان الحسي وإنما ينقلنا إلى فضاءات المكان المعنوية ، إنها تتشبث بالمكان لأنها تشعر بالاغتراب عنه، فتحاول تحديد هويتها من خلاله ، إنها تحدد أماكن الأشياء لتعرف موقع أقدامها في هذا المكان اللامرئي.

تأتي قصيدة "نَمِرَة" فريدة في بابها ،إنها من أجمل قصائد الديوان تصويرا وتقنية وتوظيفا ،تختزل السرد والشعرية معاً؛ فهي لوحة معلقة على الجدار في ظلام بيتها ، حينما تُشعل الضوء "وشْوَشَ الضياءُ أنفَها ، فعينَها، فوجهَها....

نمرة كأنها

وددتُ أن أكونها

أحرّكُ الأنيابَ هكذا

أدحرج النيران في عيني هكذا

وكل مخلبٍ أسنه من قلبي المهزوم هكذا

وددتُ ... وانتزعتُها عن الجدار

قبل أن أكونها..."

والقصيدة لوحة فنية وصراع داخلي في تقنية واعية برموزها وتناصها المعنوي السردي ، فالنمرة في الواقع وفي الموروث الشعبي شرسة فاتكة لكن لحظة انتزاعها من الجدار هي لحظة تغيّر الأدوار؛ وإذا كانت الرغبة في تغيير كينونتها فإن القدرة على انتزاعها من الجدار تعد لحظة التحول إلى كينونة أخرى تتطلبها شراسة الواقع وأحزانه الموجعة.وفي لحظة الصراع بين الرائية والمرئية تكمن حداثة النص وجمالياته، إنها تلجم جموح هذه المهرة نحو إعمال العقل في هذا الوجود العبثي فلا تتمرد عليه بل تحاول إصلاحه.

بدايات اللابداية:

في قصائد صالحة تلمح أن البداية ليست بداية وإنما هي تتمة لقصيدة لم يتبق منها سوى مقتطع :

"تريدين ألا تكوني..

ولكنك البحر

هنا ليست بداية وإنما حوارية وإجابة عن سؤال لم نلمحه في القصيدة، "هو ذا وقتك"

الآن عرفت:

في ديوانها الثالث "الآن عرفت"1999 يبدو الحزن سيد القصائد ، له القلب والروح

 "الحزن قبيلةُ نارٍ

تحرق كل وثائقها في قلب فتاة

ينمو فوق رمال براءتها"[4]

لكن هذا المتنامي سرعان ما يتلاشى ليعود أكثر رسوخا ومتانة في قصيدة "ما دُمتَ معي" :

"ما دُمتَ معي

تتفتحُ في أحزاني برعمةٌ تضحكُ

... [الآن عرفتُ بأنّ الحبَّ إذا ماكان لك

فليس يكون]"[5]

وتجعل من الحزن متكأً للمساءلة ، تسائل نفسها ، تسائله ، تسائل الزمن ، تسائل القبيلة ، وتسأل الظلال ، وتجيب عن أسئلتها في التفات مدهش.

تبدو قصائد الديوان مسكونة بهم شخصي "فأنا المطرُ المفقودُ على طرقات لاتعرفني"هذا الهم انتقى التفعيلات المتتالية السريعة وكأنها دقات قلب لاهثة، إنها تكمل ما أنجزته في ديوانيها السابقين لكن بخطى واثقة وتمكّن شعري واضح، وكأن ديوانيها السابقين مقدمة لديوان الحقيقة التي ينبئ الديوان أنها توصلت إليها بعد لأي وانتظار.

في الديوان نلمح مزق قصائد لم ترد الشاعرة أن تبوح بها كاملة لكنها اعتمدت على ذكاء المتلقي فالنص حمّالُ أوجه شتى كما في قصائد "بقايا طيف" و"حكاية مطر" و"قش الكلمات" و"مفردة"

وقد جاءت الانزياحات البلاغية تعجن المجازات بماء الحقيقة في صور جديدة تدس بين سطورها جماليات السرد في تداخل الأجناس الأدبية ، ففي قصائدها جرأة عروضية نحو توظيف الدوائر العروضية وزحافات التفعيلات وعللها بل التداخل بين الأسباب والأوتاد بيد أن له ما يبرره دلاليا.

عنوان القصيدة "خاتمة" وهي لفظة محزنة توحي بالنهايات والفراق والعنوان يشي أن القصيدة القصيرة ليست إلا المقطع الأخير في حكاية لم تُحكَ وفي سردية لم تُقل، إن العنوان يأخذ المتلقي إلى عدم الخوض في البدايات ، إنها أشبه برواية تاريخية تبدأ بنهاية البطل، بل إن الشاعرة تبدأ قصيدتها ذات الأسطر الخمسة " يتنفسكَ الصمتُ..." مَن المخاطَبُ والمخاطِبُ ؟ لا ندري ، لكن فعل المضارعة يوحي آنية النص وزمنية الحاضر، والصمتُ المتنفِّسُ في حيادية تختفي في السطر الثاني:

"حتى يحيلكَ إلى دُخانٍِ يتسرّبُ من صوتي" وهنا نلمح التحول من الهواء النقي إلى دُخان يتسرب ، ونرى ضمير المتطلم في "صوتي" إن الصوت هنا يجابه الدخان والصمت ، وهنا إعلان انتصار منشود يتوجه السطر الثالث والرابع :

"ورمادٌ يلون خاتمي

بشيء من الحزن المقدس"

فالدخان غدا رمادا له قيمة تلوين خاتم بشيء من الحزن المقدس وصفة التقديس هنا خاصة بحزنها هي في محراب الهروب.

بثينة ومسرحة القصائد:

في ديوانها الرابع "بمن يا بثين تلوذين؟"2002 تطل صالحة غابش بنص طويل تتداخل فيه المسافة بين الشعر والمسرح  ، فبثينة المخاطَبة لم تكن سوى بثينة الشاعرة بنت المعتمد بن عباد ملك إشبيلية والشاعر الذي أضاع مُلكه وأُسِر ثم نُفِي إلى أغمات بالمغرب بينما ألفت بثينة نفسها سبية مجهولة اشتراها تاجر إشبيلي وهبها هدية لابنه لكنها تأبى وتُظهر له حقيقة نسبها وأن زواجها لن يتم إلا بموافقة أبيها وكان لها ما أرادت.ولو قرأنا التاريخ سنرى أن سقوط المعتمد بن عباد تم بسبب اقتتال ملوك الطوائف وأن بثينة كانت ضحية أبيها والمرابطين والفرنجة، لكن صالحة تغض النظر عن هذه التفصيلات الفرعية وتأخذ من التاريخ ما يوافق طرحها الشعري.

بثينة الشاعرة اختارتها الشاعرة صالحة غابش لأنها كما قالت "بعض مني ...وحكاية تشبهنا"ولأنها  "انتصرت لحقّها في الحرية والحياة من دون الخروج على قوانين الانتماء الأسري"

أقول: هذا النص يشكل من مناجاة بثينة في أسرها لوحات خيالية تصل إلى العبث أحيانا ، وفي صور بلاغية توشك أن تكوّن الديوان كله لوحة واحدة.

"غريبٌ  على النيل ظلي

تشاكسني قططُ الصمتِ

تخرجُ من فم عاصفةٍ موحشة"[6]

هذه العبثية تتفق مع السرد المؤلم لما آلت إليه بثينة التي غدت الفتاة العربية التي تبحث لها ولقومها عن الكرامة والكبرياء ،إنها تصرخ فيه:

"فقم لا تكن مثلهم

وجئني بملْء الكرامة مهرا

أنا في انتظارك منذ قرابة خمسين عاما

ومَهري المُغَيّبُ بين رُكام الهزائمِ ضاع"[7]

وإذا كانت الشاعرة قد كسرت لوحة النمرة لتكونها في لحظات التمرد، فإنها رسمت لوحة بثينة لتكون ذاتها المعبرة عن انكساراتنا وهزائمنا :

"أَعُدّ الأناملَ في عتمة الراحلين

ولا شيءَ يصحبُني

غيرُ أشباحِ خاتمةٍ سوف تأتي

ونُصبحُ مَلْهاةَ أحلامنا من جديد"[8]

ألم أقل إن النص جديد في بابه وفي شكله العروضي أيضا فالنص عوان بين التفعيلة واللا تفعيلة ، بين نثرية الشعر وشعر النثر، وأظن أن ذلك متعمد، ربما لم تسعها حدود التفاعيل العروضية بزحافاتها وعللها أمام عِلل الواقع وزحافاته المؤلمة.

إن الشاعرة صالحة غابش وهي تكتب قصائدها تجرب وتبحث وأكبر ظني أنها لما تكتب الديوان الذي تركض خلفه وننتظره، ألم تقل:

"وأنا لي سيادة هذا المساء

وهذا اللقاءِ على حافة الخوفِ

بثينةُ أخرى

ولكنها الآن سيدة العطر والعشقِ

والتيه

في زمن غاب عنهُ ارتجافُ القبيلة

ولم يغب النهر عن جسد

لم يزل يتفرع فيه العفاف

يد الوقت مقطوعةٌ

تتدلّى على خيبة العشق حين يذوبُ

كحباتِ مِلحٍ بكأسِ النهاية"[9]

ويأتي السؤال :لماذا اختارت بثينة لتكونها ؟ ألأنهما تعيشان مرارة الواقع بالأمس سقوط الأندلس واليوم سقوط القدس؟ أم أنها وجدت في مأساة بثينة ما يوفر عنها مرارة سرد الواقع المعاش؟ أم أنها اتخذت منها رمزا لحال المرأة العربية المقهورة ؟ ألم تنصحها :"حاولي أن تكوني سواكِ"

هذا الديوان يجعلني أوقن أن صالحة لو كتبت المسرح سيكون لها شأن لايقل عن مكانتها الشعرية بما أوتيت من حوارية في نصوصها الشعرية موظفة الحدث والمكان في حركة ديناميكية تجعل النص الشعري مسرحا مدهشا.

إن القدرة على التجديد من خلال خوض غمار التجريب هو ما تتفرد به صالحة غابش وهو ما يسعى نحوه كثير من الشعراء وقل أن يدركوه ، لكنها بمغامراتها الشكلية والإيقاعية والتجريب التاريخي قادرة على رفد الشعر العربي بحقول لما تكتشف وبقصائد تحلم بضوء الحروف المباحة وبقوارير الشعر المملوء بالحلم الذي يجيء على مهله.

"ابقَيْ خلفَ ردائكِ قليلا

وأكملي صلاتكِ

ظلالٌ لا أكثر تلك التي تمرُّ بكِ

ولا تراكِ" [10]



[1] صالحة غابش: "المرايا ليست هي" 1997ص102-103

[2]  السابق ص 14-15

[3]  السابق ص 92

[4]  صالحة غابش: الآن عرفت ص 8

[5] السابق ص 69، 71

[6] صالحة غابش:بمن يا بُثين تلوذين؟ ص39

[7]  السابق ص 25

[8]  السابق ص 22

[9]  السابق ص 56-57

[10]  صالحة غابش:بمن يا بُثين تلوذين؟ ص81

 

الصفحة الرئيسية

English Edition

 السيرة الذاتية

قصائد مختارة

مؤلفاته

أخبار أدبية

رؤى نقدية فى شعر بدران

صور

االاتصال بالشاعر

English Edition

 

للاتصال بالشاعر
Email: badranm@hotmail.com