الشاعر   محمد أبو الفضل بدران

Prof. Dr. Muhammad Abu Al Fadl  Badran 

 

الاتصال بالشاعر

 

صور  

 

رؤى نقدية فى شعره

  أخبار أدبية  

بحوث

 

مقالات

 

مؤلفاته 

 

قصائد مختارة 

    الصفحة الرئيسية
   
 

حفنة كلام

 نوربرت لاي

كان الوقت صباحاً عندما خرجتُ لأول مرة من بيتي الكائن في الحي القديم بمدينة بون بألمانيا حيث حطت بي الرحال للإعداد لرسالة الدكتوراه حيث وصلتُ البارحة ليلاً لم أتبين معالم المنـزل من الخارج لأن الوقت كان حوالى التاسعة مساء الأحد  ؛ وكانت الشوارع شبه خالية فغداً لديهم عمل ، وكم عجبتُ حين عرفت أن مطار كولنKoeln  الذي يبعد عن بون عشرين كيلو مترا يغلق أبوابه  كل يوم في الثامنة مساء حتى السابعة صباحا لأن السكان  المجاورين له اشتكوا من ضجيج الطائرات ، ولذا فقد قررت البلدية إغلاق المطار ليلاً  حتى ينعم الناس بالهدوء ؛ ولم أشأ أن أخرج ليلا بحثاً عن مطعم ولذلك فتحتُ  حقيبتي وأخرجت بعض التمر الذي وضعته أمي بها ورحت آكل وأنا أشعر بشوق إلى الأهل والنخيل ورحتُ أردد قول الشاعر:

أشوقاً ولـمَّا تمضِ بي غير ليلةٍ                 فكيف إذا خبَّ المطيُّ بنا عشرا

نمتُ نوما عميقاً ؛خرجتُ في الصباح ،كان المنزل مكونا من قسمين متجاورين  لهما حديقة مشتركة ، في أثناء خروجي لمحتُ رجلاً في الخمسين من عمره تقريبا يجلس على أريكة في الحديقة وبدا محلقاً في الورود بينما بسط كلبُه الأسود ذراعيه تحت قدميه ، كان الشيب قد زحف إلى رأس ذلك الرجل بينما امتلأ جسمه الذي بدا كعمود من حجر أبيض ، لم ينتبه لقدومي بيد أني بادرته بالسلام فردَّ في برود وواصلت سيري نحو جامعة بون حيث التقيتُ أستاذي البروفيسور اشتيفان فيلد العميد بالجامعة ، تباحثنا معاً وعزمني على الغداء  وبعد ذلك عدت إلى المنزل  : كان الرجل مايزال جالسا وكأنه لم يقف منذ تركته في الصباح لكن لمحت بجواره امرأة ، سلمت عليهما فاستوقفني ومدّ يده قائلاً : أنا نوربرت لاي ، جارك ، وهذه روزفيتا زوجتي ، وهذا "سِدْني" كلبنا الهادئ.

عرَّفتُه باسمي أيضاً فرحَّبا بي وعرضا عليَّ أن أجلس معهما وحكيا لي عن المنزل ومزاياه وعرضا عليّ أن أتناول العشاء معهما في الحديقة فالجو كان صيفا وبدأ نوربرت لاي يحكي بينما راح يحتسي كأساً من الكولا  في حين  أعدت لي امرأته كوبا من الشاي:

-أنا نوربرت لاي ، إنني أميل إلى العرب بعد أن كنت لا أحبهم ، هكذا بدأ حديثه معي ، في شبابي كنت أعمل عدة أعمال بعد أن هربتُ من بيتنا بعد مقتل أبي في الحرب العالمية الثانية وزواج أمي من آخر لم  أحبه ، بدأت راهبا في كنيسة قرب ميونيخ ، كان العمل لايناسبني ولكني وجدت فيه الملجأ ،كانت الحياة صعبة بعد الحرب ، كنا نقف في طوابير حتى نأخذ كسرة خبز ، في يوم من الأيام ذهبت لمشاهدة مباراة كرة قدم بين فريق كنت أشجعه وآخر ، وعندما غَلب الفريق الآخر ثُرت ، شتمني أحد مشجعي الفريق الآخر ، خلعتُ الصليب المدلى على صدري وشججتُ به رأسه ، وألقيت بمسوح الرهبان ومضيت دونما رجعة إلى الكنيسة.

سافرتُ إلى فرنسا حيث التحقت متطوعا بالجيش الفرنسي ، بعد فترة قصيرة من التدريب أرسلوني لأعمل في الجزائر ، لم أكن أدرك أنها عربية ، وكانت مهمتي اقتناص الجزائريين الثائرين ، كان عليَّ أن أثبت براعتي في عملي , وكم كنت قناصا ماهراً ، لا يمكن أن أنسى وجوه من قتلتهم !

يتوقف نوربرت لاي عن الحديث ويروح في فترة صمت وندم ، يشرب ما تبقى في كأسه فتملأ له روزفيتا كأساً آخر وتجلس أمامه محدقةً ذاهلة كأنما تراه وتسمعه لأول مرة !بينما كان سِدْني يدور حولنا.

-نعم قتلت 149 رجلاً جزائرياً  ........ ماذا؟؟ أحدق في وجهه  ، لم يكن مازحا ً بل اكتسى وجهه بالحزن والدموع ، وراح ينتحب ! تتدخل روزفيتا محاولة أن تخرجه من هذه الحالة

 -نوربرت لماذا لم يصل العدد إلى 150؟

-هذا ما كنت  أنويه حتى أحصل على الميدالية الذهبية لكن المشكلة أتت عندما هممت أن أقتل "الرجل المائة والخمسين" نفذ الرصاص ، طلبت من جندي فرنسي كان معي أن يعطيني رصاصة لكنه كان يحقد علي ولذا رفض حتى لا أحصل على الذهبية  ،وقف الجزائري يصلي في خشوع غير آبه بمصيره ، تعجبت من قوة إيمانه ، حاول الفرنسي أن يقتل هذا الرجل الجزائري الذي كان قد فرغت ذخيرته أيضا منعته وركلته بعيداً لأنني لمحت في عينيْ الجزائري توسلا وعتابا على الرغم من أنه كان قد قتل منا خمسة رجال ، أشفقتُ عليه .سجد لله شكرا ولأول مرة أتذوق حلاوة الإيمان.

-سألني الجزائري : لماذا كنت حريصاً على قتلي ثم على نجاتي ، حاولت أن أشرح له الأمور ، وكان محاورا ، لم أستطع أن أجيبه عن أسئلته ،كنت في نظره مجرد قاتل ، وهكذا كنت !شرح لي قضيته اقتنعت ، تبادلنا البنادق الفارغة ،على بندقيته حفر اسمه "عمير اليوسفي" كتبتُ له على بندقيتي :"نوربرت لاي" لم يصدق الرجل أنني أمامه لأن شهرتي كقاتل كانت تخيف الجزائريين !

ودعته وقد قررت ألا أقتل مرة أخرى ، صممت على العودة إلى ألمانيا ،حاول القادة الفرنسيون أن يثنوني عن قراري ولكن هيهات ، أيقظت كلمات اليوسفي في إحساساً لم ينتبْني من قبل، عدتُ إلى ألمانيا ، لم أجد عملا ، حصلت على معاش مبكر من الجيش الفرنسي وبعد سنوات حصلت على إعانة بطالة من ألمانيا ، وأعيش هنا منذ سنوات مع روزفيتا ، إنها امرأتي الثانية  أما الأولى فقد طلقتني  بعد أن رُزقت منها بابنتين ، لا تزورانني إلا في عيد رأس السنة رغم أنهما تسكنان في بون ، أعيش وحيداً مع روزفيتا وسِدْني ، روزفيتا كانت تعمل في إذاعة كولن لكنها حصلت على معاش مبكر !

كل ما يؤرقني :كيف قتلت 149 رجلا من الجزائر ؟ ولماذا؟؟ كيف لي أن أتخلص من هذا العار الذي يطاردني والذي كان مصدر فخر لي آنذاك ؟! هذه الوجوه تزورني متوعدة كل مساء ، قرأت معاني القرآن الكريم وأعجبت به ودخلت الإسلام عسى أن يغفر الله لي .

مازلت أحتفظ بالصور ، تمضي روزفيتا لاهثة وتحضر ألبوم الصور ، هاهو نوربرت لاي بالزي العسكري ، صورة مع ابنتيه وزوجته الأولى ، مضى نصف الليل وهو يحكي وينتحب.!ويصمت..

تكمل روزفيتا : عندما ألمت به أزمة قلبية في العام الماضي نقلته إلى المستشفى القريب منا ، وعندما أفاق من غيبوبته كان هنالك  رجل آخر ينام على السرير المجاور في غرفته : حدّق كلٌّ منهما في وجه الآخر ، اعتدلا

-أنت نوربرت لاي؟                

- وأنت عمير اليوسفي؟

عانق كل منهما الآخر وراحا في بكاء عميق .

يلتقط نوربرت لاي الحديث  "لقد أخطأت في حق العرب ، لقد كانوا ثوارا مقاتلين بينما كنت قاتلا مأجورا .

ودعته ومضيت ،كانت مشاعري تجاهه عوانا بين الكراهية والشفقة معاً ؛ في مساء كل أحد تقريبا كنت أجلس معهم ليحكي فصلا من فصول حياته التي لا تنتهي ، بعد سنوات عدت إلى الوطن ، كنت أذهب إلى ألمانيا كل عام لكن لم أكن أعرج نحو بون ، في العام الماضي زرت بون وبحثت عنه ، قالت لي روزفيتا :لقد هجرني قبل عشرة أعوام ، بحثت عنه في كل مكان لم أجده ، وأخيرا عرفت أنه يعيش في بيت العجزة ، سلّم عليّ وراح في صمت ، كنت أراه في السوق وقد تدلى شعر رأسه ولحيته يجرّ كلبه سدْني الذي كان يهش لمرآي أما هو فقد ظل صامتا ، كان شعور من الندم يغطي ملامح وجهه، عدت إلى العين وفي آخر مرة ذهبت لألمانيا عرجت نحوه ؛  سألت موظفة الاستقبال عنه ، حدقَت في عيني متسائلة  :هل تعرفه؟ 

 - نعم فقد كنا جاريْن    

-متى؟            

-قبل عشرة أعوام؟

-لقد مات نوربرت لاي قبل خمسة أيام !!   

 

الصفحة الرئيسية

English Edition

 السيرة الذاتية

قصائد مختارة

مؤلفاته

أخبار أدبية

رؤى نقدية فى شعر بدران

صور

االاتصال بالشاعر

English Edition

 

للاتصال بالشاعر
Email: badranm@hotmail.com