الشاعر   محمد أبو الفضل بدران

Prof. Dr. Muhammad Abu Al Fadl  Badran 

 

الاتصال بالشاعر

 

صور  

 

رؤى نقدية فى شعره

  أخبار أدبية  

بحوث

 

مقالات

 

مؤلفاته 

 

قصائد مختارة 

    الصفحة الرئيسية
   
 

رؤية نقدية في ديوان بدران

بقلم: الدكتور حسن فتح الباب 

ما زال صعيد مصر بلد الشعراء ؛شاعر في أعقاب شاعر منذ بنتاؤور الفرعوني أقدم شاعر في التاريخ حتى محمد أبو الفضل بدران ابن محافظة قنا الذي نخص ديوانه الصادر حديثا بهذه الدراسة وعنوانه (ديوان بدران). وهو يشغل وظيفة أستاذ مساعد في كلية الآداب بجامعة جنوب الوادي وقد أعير في عام 1998 للعمل بكلية العلوم الإنسانية بجامعة الإمارات العربية المتحدة ولا يزال بها حتى الآن. وقد سافر في بعثة دراسية إلى ألمانيا حيث حصل على درجة الدكتوراه في 1990 مع مرتبة الشرف الأولى، كما حصل على جائزة مؤسسة "همبولت" العالمية وظل من 1994 حتى 1996 مدرسا للغة والنقد والأدب بكلية الألسن بجامعة بوخوم في ألمانيا.

وقد صدرت له عدة كتب في النقد الأدبي والتحقيق في القاهرة وبيروت، بالإضافة إلى أبحاثه حول الشعر والرواية والاستشراق والعروض باللغتين العربية والألمانية ، وشارك في العديد من المؤتمرات العلمية في العالم . كما نشر قصائده في الصحف والمجلات العربية والألمانية وأقام أمسيات شعرية بالدول العربية وألمانيا.

ويدل ديوانه الذي قسمه إلى جزءين هما: (معلقة الخروج : ساليدا) و (النوارس تحكي غربتها) على موهبة شعرية غنية تتوافر في إنتاجها الشروط الفنية من حيث الرؤية واللغة والموسيقى، وتتسم القصائد بالخصائص الآتية:

 الأصالة والمعاصرة:

هذه الخاصة وهي الجمع بين عشق التراث والقدرة على التجديد هي أهم ما يسترعي نظر الناقد حين يتصفح نصوص الديوان، مما يرجع إلى استيعابه روائع الأدب العربي بحكم البيئة التي نشأ فيها ودراسته الجامعية في كلية الآداب بجامعة أسيوط، وعكوفه بعد تخرجه على دراسة مصادر اللغة والأدب وتأليف كثير من البحوث عنها ثم إشرافه على عدد من الرسائل العلمية لنيل الماجستير والدكتوراه، فهو شاعر ولد في أحضان التراث العربي والإسلامي مما انعكس على ثقافته وإبداعه، فجاء ثمرة من شجرة عريقة أصلها ثابت وفرعها في السماء.

أما سمة التجديد فهي نضج لنزعته إلى الإبحار في محيط الحداثة واستعمال تقنياتها التي تثري اللغة وتمد المخيلة بفيض من الرؤى المتجاوبة مع العصر. ومرد ذلك أيضا إلى دراسته في ألمانيا وإطلاعه على آثار أدبائها ومفكريها القدامى والمحدثين، واستيعابه النظريات النقدية الجديدة. كما ترجع ثقافته الواسعة التي تتجلى في شعره إلى كثرة الأسفار التي قام بها في أوروبا وانعكاسها على الأفكار والصور التي وردت في قصائده. وقد كان بحكم تفتحه العقلي والوجداني مهيأ لهذا التأثر. كما كان طموحه إلى إرساء قدمه في ساحة الإبداع دافعا له إلى التجديد. فهو شاعر أصيل لا يفتعل الكلمة والنغمة ولا يقلد غيره كما أنه فنان واع برسالة المبدع المثقف الذي يتوق إلى الإضافة إلى من سبقه أو عاصره.

 

مظاهر التأثر بالتراث:

نتبين استحياء التراث منذ البداية فقد سمى الشاعر مجموعة قصائده (ديوان بدران) مستعملا هذا المصطلح القديم المتوارث، كما استعمل مصطلح (معلقة) في عنوان قصيدته الأولى وهو (معلقة العودة). كما يبدو تأثره بالقرآن الكريم في قوله من قصيدة (جاء زائرا): (لعل آتيا يروج للمدينة، فيعلن النبأ، ويسمع الملأ) فهو على نسق الآية القرآنية:

(وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى). وعلى نسق آية (فاخلع نعليك) يقول الشاعر: (فاخلع نعالك لا تخف).

ويستوحي من السيرة النبوية  عبارة (دثريني.. زمليني) التي قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم للسيدة خديجة عشية نزول الوحي جبريل عليه السلام عليه في غار حراء، فيقول الشاعر في قصيدة (سيكون شيئا رائعا أن نلتقي: (دثرتني عندما جاء الشتاء)، وفي قصيدة (وحين التقينا) يقول: (فلبـيت كالموج ، دثرتني).

 

كما تبين التأثر بالتراث في الاتكاء على الموروثات الشائعة في الشعر العربي مثل الجواد الدال على الفروسية والمفردات المستقاة من نبعه كالصهيل والركض، ولكن الشاعر يولد منه رؤى وأفكاراً جديدة عصرية، ولا يقف أسيرا للمعاني والمدلولات القاموسية، وهكذا نراه يدير النص في قصيدة (جاء زائرا) حول جواد الموت مستعملا ألفاظ (الهرولة، الركض، يمتطي، الصهيل، وقع الخطوة، كما يضفره بكلمات وصور مستحدثة كما يبدو في نهاية المقطع الآتي:

أحس يا صديقتي بالموت آتيا على جواده

الموت من رأيته بقريتي

ناجيته، وعدته

بحثت عنه في مدينتي

وفي ربوعها رأيته مهرولا

ركضت خلفه.. انتحى

تعبت فاختفى

فقلت ربما انتهى

لكنني أراه جاء زائرا

ويمتطي جواده الذي أعرته له

فينثني جواده ..

صهيله عرفته ووقع خطوته

أتى الذي كم كنت أنتظر

ويقرن الشاعر الموت بالحب في نهاية القصيدة عازفا بذلك على وتر نعرفه في تأثر الشعراء الرومانسيين ، باعتبار الحب لديهم أقوى من الموت وهو الملاذ الآمن والخلاص من شبح الفناء:

وقبل أن أموت يا صديقتي

ناجيت باسمك

كتبت فوق روحي المبعثرة

حروفك

فيصهل الجواد .. إن سمعته

فزغردي

لأنه عن حبنا سيفتح الستار

والمألوف أن يوصف الجواد العربي الأصيل بأنه ضامر، ولكن الشاعر المجدد بصفة بأنه ممشوق فيقول: (وجئت الآن تقتسمين اشلائي، وتحت جوادك الممشوق تفترشين أحشائي) فأضفى بذلك صفة المحبوبة على الجواد وشبهها به. ومرة أخرى يتكئ على مأثور الجواد في قصيدته (وحين التقينا) فيقول:

وفوق الجواد الذي كنت أحلم ناديتني

فلبيت كالموج.. دثرتني

منحتك ما قد ملكت وما نحتني

وقرب النهاية كان الجواد

يراقص هذا الوجود فألفيتني

وسط ليل طويل وودعتني

فناديت: بالله خذني

فما رد هذا الجواد، تجاهليتني

وأشكوك مني

وأحلم أن الجواد يرق

إذا ما قسوت وقد يعتني

فبا الله دعني.. فقد بعتني

ومن الصيغ التراثية التي يستعين بها الشاعر في التعبير عن رؤيته كلمة (إيه) التي تسبق المخاطبة كما نرى في قصيدته (معلقة العودة) إذ يقول: (لم جئنا آه يا هذا التراب؟)، ومنها أيضا عبارة (من مأمنه يؤتى الحذر) إذ نراها في قوله: (ومن مكمنه سيؤتى الفطن) والتضمين أسلوب شائع في الديوان فمنه البيت المشهور الذي قالته الأم لابنها الحليقة الأندلسي أبي عبد الله الصغير حين بكى وهو يسلم مفتاح غرناطة إلى فرناندو وإيزابيلا بعد سقوط هذه العاصمة الزاهرة

 (ابك مثل النساء ملكا كبيرا ، لم تحافظ عليه مثل الرجال)

 

مظاهر الحداثة:

بلاغة المحذوف والحوار

ويقصد به حذف كلمة من الجملة الشعرية أو النثرية لأنها مفهومة من القارئ أو لإثارة فضوله فيبحث عنها وبذلك يشترك مع الشاعر في صياغة قصيدته، وتصبح الجملة ناقصة مع تمام الشعرية. وكان أول من كشف عن هذا الأسلوب الناقد العربي القديم الفذ عبد القاهر الجرجاني. ويشيع هذا الأسلوب في ديوان بدران كقوله في قصيدة (قيل قد) : (وبينما... وبعدما ...وطالما...) دون أن يكمل الجملة، وقوله في القصيدة ذاتها (هي كأنها، هما كأنْ هما) ولا يورد خبر أن وكأن.

ويشيع أسلوب الحوار في الديوان بطريق مباشر أو غير مباشر ففي قصيدته (تجربة) يقول مستعملا عبارتي (قالتْ وقلت):

وقالت لي: لماذا لا نجرب

أننا في العشق ملاحان.. وافقْتُ

فقلت لها: ابدئي هيا

فقالت: قد تلعثمت

فقلت : هواك تيمني

فقالت: كم تعذبت

ويقترب من أسلوب الحذف أسلوب الفعل ورد الفعل دون استعمال الفعل الدال عليها لأنه مفهوم ضمنا كما في القصيدة السابقة (قيل قد) إذ يقول: (كان يرقبها فترقبه، كان يعلنها فتعلنه) ظل يعشقها وتعشقه)

التكرار والترديد

هذه التقنية الغنية ملمح أساسي لدى الشاعر يؤكد به رؤيته ويزيدها إضاءة وعمقا، وهي أسلوب قديم وجديد أيضا، وقد برع في استعماله شعراء العرب منذ مالك بن الريب التميمي الذي كرر اسم الغضى وهو موطنه عدة مرات، فذكره مرة في البيت الأول ثم مرتين في البيت الثاني ثم ثلاث مرات في البيت الثالث للتعبير عن حبه له وحنينه إليه وهو بعيد عنه:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة

                     بوادي الغضى أزجي القلاص النواجيا

فليت الغضى لم يقطع الركب عرضه

                     وليت الغضى ما شى الركاب لياليا

لقد كان في وادي الغضى لو دنا الغضى

                     مزار ولكن الغضى ليس دانيا

وفي قصيدة الشاعر الإنجليزي الشهير تي إس إليوت (الرجال الجوف والأرض الخراب) نجد هذه السمة وهي التكرار أو الترديد من الظواهر الغنية الأساسية فيها وإن كان الفكر الذي تصوره مختلفا بالضرورة عن مضمون القصائد العربية لأنه تعبير عن انهيار الحضارة الأوربية بعد الحرب العالمية الأولى في حين تتسم تلك تلك القصائد برداء الحب و الحنين.

وتتجلى سمة التكرار أو الترديد واضحة في ديوان بدران في القصيدة التي أشرنا إليها آنفا وهي (قيل قد) إذ تنتهي بمثل ما بدأت به وهي من تقنيات الموسيقى الكلاسيكية أيضا، وكأن العبارة المكررة هي قرار اللحن، كما نجد هذه السمة أيضا في الموشحات الأندلسية، مما يدل على سعة ثقافة الشاعر واستيعابه لروائع الآثار الأدبية مع التجديد في الصياغة والرؤية. وعلى وتيرة ترديد الأسماء التي يحبها نراه يكرر كلمة (الراين) وهوالنهر المعروف في ألمانيا في قصيدته (في أسوان) التي يشكو فيها غربته عن موطنه:

نخرج نتمشى بين الراين

اخلع أثواب الأشواق

وأفرطها فوق الراين

أمشي وسط الراين

ولا تبتل الأقدام

بل تبتل دموعي بالجمر

 

التداعي والارتداء إلى الخلف

يظهر ولع الشاعر بهذا الأسلوب في قصيدته المطولة ذات النفس الدراي (ساليدا) وتعني هذه الكلمة باللغة الأسبانية الخروج. والقصيدة هي درة الديوان إذ تبلغ قمة الشاعرية المتدفقة، وهي من وحي زيارة الشاعر للأندلس وبكائه على أطلال المجد العربي الإسلامي الغابر، وقد رضعها بأسماء المدن الأندلسية وأهمها قرطبة وأسماء الرموز التاريخية مثل عبد الرحمن الداخل ، صقر قريش، وأبي عبد الله الصغير، وسائر ملوك الطوائف، وفرناندو وإيزابيلا ملكي الغوط اللذين سلم إليها أبو عبد الله مفاتيح عاصمته غرناطة. ويمكن أن تدرج القصيدة في عداد مراثى الدول والحضارات التي تشكل بابا فريدا في ديوان شعرنا العربي. وهي تصوير حي لتاريخ الأندلس والتقاليد الأسبانية قديما وحديثا مثل مصارعة الثيران في ساحة توريرو torero ، وكان (إكناسيو) الذي يذكره الشاعر أشهر المصارعين . وتبهر القارئ اللوحة التشكيلية المرسومة لهذه المصارعة.

والخاصية الأساسية لهذه المطولة هي استعمال أسلوب التداعي والارتداء إلى الخلف Flash Back لامتزاج الماضي بالحاضر، والحقيقة بالحلم من أثر الحنين الجارف إلى عهد الأجداد الميامين والحزن على مصيرهم الفاجع، وتنم هذه الخاصية عن موهبة سردية قصصية. وقد أسس هذا الأسلوب الغريب الأيرلندي المشهور جيمس جونر في روايته (أوليس) والكاتبة الإنجليزية فرجينيا وولف ثم شاع من بعدهما نظرا لقدرته على التعمق في حنايا النفس البشرية وأحوالها المختلفة عبر تعاقب الأزمنة والأمكنة المتباينة مما يفجر في أعماق المتلقي ذكريات الحب والبهجة والحزن ويسكب على النص القصصي أو الشعري وظلالا لا تمحى، ويمثل نبعا لعلماء النفس يستقون منه أفكارهم ويصوغون نظرياتهم.

تستهل البكائية بالمقطع الشجي الآتي الذي يذكرنا بالقصائد الطللية :

ساليدا أول لافتة تستقبلني

أأنا المقصود أم المقصود أبو عبيد الله؟

يستقبلني صقر قريش

وملوك طوائف هذا العصر

فالمح لافتة في ملقة ساليبدا

مَن علق هذي اللفظة في عيني

ساليدا!!

وفي لفتة ذهنية ذكية يعقب الشاعر على هذا المقطع بقوله إن الأسماء غدت بلا مسميات فما الجدوى منها، لقد بات صقر قريش صقرا منحوتا على الأبواب لا يملك جناحا للطيران. وينتهي هذا المقطع بعبارة مدحية دالة استفهامية هي (ماقيمة أن يبقى الإنسان بلا إنسان؟) ثم ينتقل إلى المقطع الثالث الذي يصور محنة الدولة الأندلسية في قرطبة وغرناطة بسبب انقلاب ملوك الطوائف بعضهم على بعض وتقاتل أبناء الأسرة الواحدة على السلطة واستشراء الخيانة:

بقرطبة قد عرفت

كيف يبيع الزمان المدن

وكيف تجئ المحن

بغرناطة قد رأيت

كيف يبيع المكان الزمن

وكيف يخون الصديق الصديق

وكيف يباع الوطن!!

وهكذا تتداخل الأزمنة والأمكنة وتتعقب المحن إذ يسلم الابن أباه إلى عدوهما، ويشبه الشاعر أبا عبد الله بالثور في حلبة المصارعة فكلاهما خر صريعا.. وتتداعى صرخات الثور الجريح مختلطة بزئير المشاهدين . ويضمن الشاعر أبياته قول "أم أبي  عبد الله المأثور: (أبك مثل النساء ملكا مضاعا لم تحافظ عليه مثل الرجال) وهي تحثه على فعال جند ايزابلا وفرناندو ولكنه يستسلم باكيا. ويبدع الدكتور بدران حين يتذكر لوركا شاعر الأندلس الذي قتلته الفاشية في الحرب الأهلية الأسبانية (1936 – 1939) التي شبت بين الجمهوريين والفاشيين الذين قادهم فرانكو وأعانه هتلر وانتهت بانتصارهم وإجهاضهم حلم الحرية والعدالة. كما يتذكر الفنان السيريالي الأسباني بيكاسو ولوحته العبقرية (جرونيكو) التي تمثل فظائع الحرب. ويأسى على ليالي زرياب الموسيقي الذي هاجر من بغداد إلى الأندلس ، وعلى الشاعر ابن زيدون وحبيبته الشاعرة ولادة بنت الخليفة المستكفي ويضمن المقطع أبياتا من التراث الأندلسي وتتسم هذه الملحمة بسمات الحداثة إذ يستعمل الشاعر مفردات من قاموس العصر مثل رقصة الفلامنجو الأسبانية ورقصة الديسكوتيكا وبار أمريكا وملهى فيرونيكا الذي أقيم على أطلال مسجد أندلسي.

 

توظيف التراث الصوفي

من مظاهر  تأثر شاعرنا بدران بالبيئة الصعيدية التي ولد وترعرع في ربوعها، نشاهد حلقات الذكر في الموالد ونستمع إلى الموشحات الدينية، من هذه المظاهر السمة التصوفية التي تهيمن على بعض نصوصه حيث يستعمل ألفاظا وعبارات من المعجم الصوفي مثل: الخلوة، الحضرة، المجلس، المسبحة،الورد، مملكة الله، المجذوب، المريد، الأقطاب، ويذكر أسماء كبار المتصوفين مثل ابن عربي وابن الفارض وجلال الدين الرومي وفريد العطار، الجنيد ورابعة العدوية ويستشهد بمقولاتهم . ومن ذلك قصيدة (في ضيافة الخضر) وهو أحد أولياء الله الصالحين:

شيخي توضأ في المياه الزمزمية

صلى ركيعات بمسجد قرطبه

وأتى جبال حميثرا

ثم انبرى للورد في الزيتونة الخضراء

وبكى لحيظات على قبر الجنيد

وراح يسند من جدار الروح

حين يريد أن ينقض

ثم أقامه

وفي قصيدته (ترنيمة إلى أنا ماري شيمل ) عزف على هذا الوتر مما يدل على أن السيدة التي أوصت بهذه القصيدة مستشرقة تغرف من معين المتصوفين:

أنا المجذوب بين ممالك العشاق

وأنا المريد محمل الأشواق

يتجمع كل الأقطاب، الأوتاد

ويأتي الخضر على سجادته

ويجيء ملاك لا أعرفه فوق براق

منشدنا (ابن العربي) يغني

يتراقص مولانا الرومي

وتمتد الحضرة حتى ننسى أنفسنا

ويذكر الشعر في قصيدة (في أسوان) اسمي ذي النون والنوبي وهما من أولياء الله الصالحين، ويقرأ تسبيح المتصوفة في الأذكار بألحان أوركسترا بون التي تعزف سيمفونية بيتهوفن وبرقصات الصبايا الألمانية في مزج آسر بين تقاليد الشرق الروحانية وموسيقى الغرب:

أدخل ساحة ذكري

فأردد الله الله الله

تتساقط حبات المسبحة

تؤلف موسيقى ذِكري

فيلحن أوركسترا بون

ومن فيض الذكريات يقص علينا الشاعر انغماره في قاعة الرقص في بون ممتزجا بتسبيحه في وطنه الجنوبي، فهو "عصفور من الشرق" مثل توفيق الحكيم في روايته المشهورة التي يعبر فيها عن لقاء الشرق بالغرب، وذلك على خلاف "كيلنج" شاعر بريطانيا في عصر الاستعمار الذي قال: الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا:

أرقص وسط الحانة

تتجمع كل صبايا بون

يتراقصن ويسألن

بأي الآلات تلحن هذا الشوق؟

ويستطرد الشاعر في قصته الواقعية أو المتخيلة في انسياب تصويري حركي ينقل فيه إلى المتلقي إحساسه فيتجاوب معه حتى يشعر بتردد أنفاسه ووقع خطواته في المرقص:

يقطع أوركسترا بون سيمفونيته

يأتيني المايسترو كي يطردني

من وسط المسرح

أخرج يتبعني كل الناس

ويبقى المايسترو وحده

يعزف للصمت

ونجد النبرة الصوفية أيضا في قصيدة (الخلوة الربيعية)، إذ تعبر عن البحث عن الجوهر وربيع الحقيقة الكونية إذ يلبس الشاعر خرقة المتصوف ويمضي هائما باحثا عن الأسرار الخفية للوجود وما يلبث أن يهبط على أرض الواقع:

لا خلوة في صحراء القلب

ولا وقت ولا اطمئنان ولا..

أنا لست الراهب والمتصوف إذ أعتكف

أنا أمشي في الأسواق فلا أبصر أحدا

أبتاع طعامي من بادية الحب

وأقتات قصائد شعري

ومن ثم تقترن عاطفة الحب عنده بالشعر الغنائي والتصوف بالواقع الأرضي والوجد والألق الروحي الذي تبعثه هذه الأقانيم. ويأتي الجزء الثاني من القصيدة إبحارا مرة أخرى في بحر المتصوفة ، إذ يحس الشاعر بما يشبه الحلول أو الفناء في المطلق، ويتبدى ذلك في استعماله حروفا هجائية لها دلالاتها في القاموس الديني:

وأدون فوق الرمل وصاياي

فيأتي الريح ويطمسها

وأظل وحيدا وأنا الجمع

وأنا كل نقاط حروف الكون

أنا الألف الياء

وأنا الـ لا أنا إلا أن يوجدني

هل يبحث ماء عن ماء؟!

 

العزف على الجرح الفلسطيني

تتعدد الأغراض الشعرية في ديوان بدران، إذ يغني للحب، ويرثي البسطاء والأبطال كما يرثى المدن الغاربة، ويتغنى بالحرية ومن ثم بفلسطين مأساة ونضالا حتى الاستشهاد. فهو يقول في قصيدة (في ضيافة الخضر):

ها هو ابن الفارض انتصبت خطاه

وجاء يطوي الأرض طي

قلت: يا ابن الفارض اطو الأرض نحو القدس

ويكاد قلبه ينفطر حزنا مما آلت إليه القدس عروس الحدائق ومدينة الصلاة حيث بيت المقدس ثالث الحرمين وأول القبلتين، فقد جاءت اتفاقية أوسلو التي انهت الانتفاضة الأولى سنة 1983 بسلطة وطنية في الأرض المحتلة دون أن تنص على الاعتراف بالقدس عاصمة لفلسطين.. فأين الدولة الموعودة وأين عاصمتها والعدو الصهيوني يعلن أنها عاصمة لإسرائيل الأبدية والعرب أشقاء الفلسطينيين الذين ضحوا بآلاف الشهداء في سبيل تحرير وطنهم ، وتقطر أبيات الشاعر سخرية مريرة من صمت ذوي القربى حينا، ومن صخبهم في ظل أوسلو حينا آخر. وويل للشجي من الخلى.

وهكذا تختلط في قصيدة الشاعر الأدوار التي رأيناها في مستهلها بالجراح النازفة، جراح القدس السلبية وبالإدعاء الباطل أن العرب والإسرائليين لصوص الوطن أبناء عمومة!!:

فلسطين عادت

ولم يبق إلا اختلاف على موضع للعَلَم

فلسطين عادت وما عادت القدس

ما القدس إلا قرية من ألم

لدينا ألوف القرى

فماذا إذا صارت القدس

عاصمة لأبناء عم؟!

الصفحة الرئيسية

English Edition

 السيرة الذاتية

قصائد مختارة

مؤلفاته

أخبار أدبية

رؤى نقدية فى شعر بدران

صور

االاتصال بالشاعر

English Edition

 

للاتصال بالشاعر
Email: badranm@hotmail.com