الشاعر   محمد أبو الفضل بدران

Prof. Dr. Muhammad Abu Al Fadl  Badran 

 

الاتصال بالشاعر

 

صور  

 

رؤى نقدية فى شعره

  أخبار أدبية  

بحوث

 

مقالات

 

مؤلفاته 

 

قصائد مختارة 

    الصفحة الرئيسية
   
 

تناصات أندلسية عند محمد أبو الفضل بدران

في قصيدة ( ساليدا الخروج ) (1)

أ.د أحمد الزعبي

مقدمة :

          يزداد الحنين إلى الأندلس في هذا العصر ، كما يزداد الخوف من المصير المأساوي الذي انتهى إليه العرب والمسلمون بعد أمجاد عظيمة استمرت قروناً طويلة . ومصدر هذا الخوف وذاك  الحنين هو الظروف المتشابهة تقريباً للأمة العربية والإسلامية في كلتا المرحلتين القديمة والحديثة ، من حيث الضعف والتمزق والانهيار  الذي يتهدد حاضر هذه الأمة ومستقبلها . وقد ربط كثير من الشعراء بين مأساة فلسطين ومأساة الأندلس من زاوية المصير المفجع الذي يتهدد فلسطين ، والذي يشبه مصير الأندلس في كثير من الوجوه .

          لذلك كثرت الرثائيات في الشعر المعاصر التي تمزج بين النكبتين وتحذر من نكبات أخرى مشابهة قادمة إذا ما استمر تقهقر الأمة وتفسخها واقتتالها فيما بينه. وغدت الأندلس تجسيداً  لثنائية النهوض والسقوط ، القوة والضعف والوفاء والخيانة في كتابات كثيرة، كما غدت هاجساً كابوسياً يلازم بعض الشعراء الذين يتحسرون على هذا المجد الضائع من ناحية ، ويتخوفون من كوابيس وضياعات أخرى دخلت مرحلة الخطر والمأساة ، من ناحية أخرى، ومن هؤلاء شاعرنا محمد أبو الفضل بدران .

          ففي مرثيته الأندلسية ( ساليدا الخروج ) يدق الشاعر بدران ناقوس الخطر المحدق بهذه الأمة اليوم ، من خلال رحلة رثائية متوترة ثائرة احتجاجية بين معالم أو أطلال أو صور العرب والمسلمين في الأندلس. أنها رحلة أو كابوس مرعب لا يريده أن يتكرر ثانية في تاريخ هذه الأمة،لأن نذر تكرّر  تلوح في الأفق.. أو اجتازت هذا الأفق نحو واقع أمتنا الملموس (2)

تناصات القصيدة :

          تتنوع التناصات الأندلسية الموظفة في قصيدة ( ساليدا الخروج ) لمحمد أبو الفضل بدران وتتداخل في عالمها الفني والموضوعي بشكل متناغم منسجم موح . ويمكن الإشارة إلى عدد من التناصات التاريخية والأدبية والأسلوبية التي شكلت حضوراً ظاهراً في بنية القصيدة ولغتها وصورها وموضوعها وفكرها في نسيج شعري مؤثر ومعبر .

أولاً : التناصات التاريخية :

يستحضر الشاعر في قصيدة ( ساليدا الخروج ) رموزاً أندلسية  متعددة كالأعلام والشخصيات والأمكنة والأحداث التاريخية ، ويوظفها في عالم القصيدة ولغتها وبينتها وحركتها وترميزاها .. لتتشكل في النهاية بكائية شعرية مؤثرة تنعى الأندلس الضائعة وترثي ( أندلسيات ) في طريقها إلى الضياع في العصر الحاضر .

          وفي تاريخ الأندلس يتبادر إلى الذهن عبد الرحمن الداخل ( صقر قريش ) وأبو عبد الله الصغير ، وايزابيلا وفرناندو ، وابن زيدون وولاّدة ، ويقع البصر على قرطبة وغرناطة والزهراء والحمراء وإشبيلية... ومعالم أخرى كثيرة ما تزال شواهد على حضارة عربية  إسلامية عظيمة في الأندلس /  أسبانيا     .     1-ويفتتح الشاعر بدران قصيدته أو ( معلقة الخروج ) كما يسميها ، من آخر تاريخ هذه الحضارة الخالدة أو  من اللحظة الأخيرة المؤلمة لسقوطها، حيث يقف متأملا ناعياً مقهوراً يقول :

 

          ساليدا

          أول لافتة تستقبلني

          أ أنا المقصود ، أم المقصود أبو عبدالله

          يستقبلني صقر قريش

          وملوك طوائف هذا العصر

          فألمح لافتة في ملقة : ساليدا .

          من علّق هذي اللفظة في عيني ؟

          ساليدا …………  ( الديوان ، ص 43 )

 

          إن الشاعر يرصد مشهداً غنياً بالإحالات والإشارات إلى هذا التاريخ المفقود الذي ضيعه أهله الممزقون المتقاتلون .. كل في واد، إنه يتسمّر عند هذه اللافتة : ساليدا أو الخروج ، على حدود الأندلس ، فترتد له الذاكرة إلى الخروج القديم أو  إلى الوداع الأخير ، وإلى السقوط النهائي لهذه البلاد الواسعة الجميلة ومعالمها العربية والإسلامية العظيمة . تهز كلمة ( الخروج ) الشاعر فتتداعى الذكريات الأليمة في رأسه دون توقف وتتكاثف التناصات التاريخية في القصيدة :من وضع هذه الكلمة /  اللافتة /  الرصاصة بوجهي وبعيني ، يصرخ الشاعر ، أنا المقصود بها ، يقول : أنا العربي الذي ضيع ملكاً ثميناً ووطناً عزيزاً ، وأبو عبد الله آخر حكام الأندلس الذي سلمها وخرج مقصود أيضا بلافتة ( الخروج ). إنها الذكرى والذاكرة المؤلمة المريرة على مر العصور ، وكلما توقف عند هذه  (اللافتة  ) عربي ، انفجرت الأحزان في صدره وانهمرت الدموع من عينيه .

2-  وفي حالة الحزن الشديد يستذكر الشاعر صقر قريش القائد العظيم الذي أسس دولة عظيمة دامت ثمانية قرون في الأندلس ، وجعلها من أهم حضارات العالم القديم ، يستذكره بفرح داخلي مشوب بحزن عميق ، لأن كل ما شيده هذا (الصقر ) قد آل إلى هباء وسقوط ، فقد ضيع هذه ( الأمة ) وهذه الحضارة  (ملوك الطوائف ) وتناحرهم وتآمرهم وتخاذلهم حتى انتهت الأمور إلى  (الخروج ) إلى ( ساليدا ) إلى فجيعة سيبكي العرب عليها إلى نهاية التاريخ .

          تتداعى الذكريات في أعماق الشاعر ثانية ، ويثير ( الخروج ) الأشجان والمشاعر الحبيسة ، فحين يمر بمعالم الأندلس ويرى آثار حضارة العرب والمسلمين فيها يزداد حسرة وقهرا،ً ويحاصره اليأس والغضب والاحتجاج، يقول :

ما جدوى أن تبقى الأسماء . ودون مسمى ؟

          ما جدوى أن تبقى الجدران ؟

          وما جدوى ان يبقى الصقر المنحوت على الأبواب .

          ولا يمتلك جناحاً للطيران .

          ما قيمة أن يبقى الإنسان بلا إنسان ………… ( الديوان ، ص 44 )

 

فالسؤال المؤلم الذي لا جواب له ، يرى الشاعر، متعلق بجدوى هذه المعالم والآثار والشواهد الخالدة في الأندلس بعد أن رحل عنها صانعوها ومنجزوها وأبطاله. إنه يرى صقر قريش مرسوماً ( ومنحوتاً على الأبواب ) ويرى الأبطال منقوشين فوق كل شارع أو بناية أو حجر من حجارتها ، ولكن ما جدوى ذلك ، يتساءل الشاعر، وقد أصبحت المدن خالية من أصحابها،والرسومات خالية من روحها ،والطيور من دون أجنحتها ، ما جدوى أن يكون الإنسان ( بلا إنسان ).. أن يكون بلا روح .. بلا وجود . بلا حضور  حقيقي في البيت الذي بناه  وشيده وملأه بصوته وأنفاسه وإنجازاته .

 

3- وفي هذا السياق الحزين والشاعر يدرأ عن مخيلته وذاكرته وبصره تلك الخسارات الفادحة والخيبات المخزية ، تصدمه صورة ( قرطبة ) توخزه كشوكة في العين تدميها مثلما أدمتها (لافتة) الخروج ، فتقفز قرطبة إلى ذاكرته ، وتتناص مع نسيج قصيدته ، مع تناصات صقر قريش وأبو عبد الله ، لاستكمال الصورة القاتمة  والمرثية الأليمة لغروب شمس هذه الأمة عن الأندلس  ، يقول:

 

          بقرطبة عرفت

          كيف يبيع الزمان المدن

          وكيف تخون المساكن بناءها

          وكيف تجيء المحن

          بغرناطة قد رأيت

          كيف يبيع المكان الزمن

          ومن مكمنه

        سيؤتى  الفطن

          وكيف يخون الصديق الصديق

          وكيف يباع الوطن …………………………  ( الديوان ، ص 44 )

 

    يتأمل بدران في هذا المقطع مدن الأندلس الساحرة الضائعة، ويتوقف ذاهلاً عند قرطبة وغرناطة وغيرهما  من شواهد الحضارة الراقية التي اندثر  أهلها وظلت هي شامخة عظيمة . ويعجب المرء، يقول الشاعر, كيف يفرط الإنسان بحضارة بناها ، ومنارات أضاءها عبر مئات السنين،يفرّط بجهده وعرقه وماله وفكره؛ أنه يعجب كيف تتقلب الأزمان ويتغير السكان وتباع الأوطان .

إن تساؤلات الشاعر هنا ذات نغمة احتجاجية واستنكارية ، ففي الأندلس وفي مدنها الراقية يدرك أسباب كارثة ضياع هذه الحضارة، ويعرف كيف تتبدل الأزمان ولماذا يتغير السكان. إن التمزق والغدر وخيانة الصديق والبيع والشراء بالأوطان وبالشعوب وبالقيم كلها آفات وأوبئة لابد أن تهدم أعظم الحضارات وتسقط أقوى الحصون ( من مكمنه يؤتى الفطن ) ومن غدر  (الصديق بالصديق ) .وأخيراً من التلاعب بالوطن وبمصيره وبأهله ، وبالبيع والشراء فيه وتسليم ( مفاتيحه ) للأعداء ، كما يفعل الخونة بأوطانهم وشعوبهم ، يرى الشاعر  .

4- ويوسع الشاعر بدران دائرة الصراع في المشهد الأندلسي الأخير وبخاصة في مراحل الانهيار والسقوط اللذين مهدا لخروج العرب النهائي من الأندلس. ويرصد بأسلوب رمزي مشهد الصراع الشرس الذي احتدم عند الهزائم المتلاحقة الأخيرة من تاريخ العرب في الأندلس من خلال معركة ( صراع الثيران ) المعروفة في أسبانيا ، وفي هذا المشهد يستحضر الشاعر تناصاته التاريخية أيضا الموحية والدالة على الانهيار الأخير يقول :

 

          ها نحن جميعاً في ساحة ( توريرو )

          أبو عبد الله الأحمر وأبو عبد الله الأصفر .

          يدخل هذا الثور الأحمر

          أصفق للثور

          ينظر نحوي يبتسم 

        ويدخل(اكناسيو) فيزمجر هذا الثور

       يصفق فرناندو

          يغرس   اكناسيو الرمح برأس الثور الامن

      ايزابيلا تصرخ

          سقط الثور الأحمر وأبو عبد الله

      وقف الجمهور يحيي القاتل .

          ونسوا  المقتول

          فتقبّل ايزابيلا فرناندو  ( الديوان ، ص 45 )

 

يوظف  الشاعر مشهد ( مصارعة الثيران ) لتجسيد المعركة الخاسرة الأخيرة التي انتهى بها الصراع على الأندلس، التي خسرها العرب والمسلمون بعد حكم دام قروناً عديدة . فالمشهد دموي في ساحة المصارعة وهو يشبه دموية الخروج من الوطن بالحرب والإكراه والقتل .فا لثور المسكين لا حول له ولا قوة أمام هذا المصارع المدجج بالسلاح والغدر والجمهور، إنه يهجم-أي الثور- دون تخطيط أو تنظيم نحو اللون الأحمر،و يتفاجأ بالحراب والطعنات تمزق عنقه وجسده  فيترنح ويتخبط ويسقط سابحاً في دمه .

     إن تبشيع مشهد الصراع ودمويته وشراسته صور يقصدها الشاعر لتجسد بشاعة الهزيمة وألم الانكسار ومأساة والخروج من الوطن . إن الثور الأحمر الذي يشبه أبا عبد الله ( الأحمر ) يخر صريعاً لحراب  ( اكناسيو ) المصارع القوي الذي يستند إلى الملك والملكة ( فرناندو وايزابيلا ) وإلى جمهور يصفق له عند كل طعنة في جسد هذا الثور الدامي المتهاوي(ولا بد أن تكثر السكاكين حين يسقط الثور،كما يقال).إنها معركة خاسرة أصلاً ، يرى الشاعر، فكل الذين حول ( اكناسيو ) المصارع المدجج متأهبون  للانقضاض على الثور وتمزيقه ، فيما لو أصيب المصارع أو هددت  حياته، كما هو الحال في هذه اللعبة العنيفة الشرسة  ، وكما هو الحال رمزياً في المعارك الخاسرة الأخيرة التي كانت في آخر أيام العرب في الأندلس .

          ويعد مشهد ( مصارعة  الثيران ) أغنى المشاهد في القصيدة على الصعيدين الفني والموضوعي، حيث تألق الشاعر  في رسم الصور الفنية المؤثرة التي تجسد الفكرة المأساوية التي تنطوي عليها ، وقد جاءت الإشارات أو التناصات ( فرناندو وايزابيلا وأكناسيو  وأبو عبد الله الأحمر ) جاءت كلها لتجسيد مرحلة تاريخية حاسمة من الوجود العربي في الأندلس. وكانت حركة الثور الجريح ونظرته المستعطفة إلى الشاعر حيث ( تبسم له ) وكأنه يستقوي بهذا العربي على الأجنبي في الأرض التي أصبحت غريبة.. كانت كلها لقطات مؤثرة عميقة في دلالاتها وإحالاتها إلى واقع الأمة قديماً وحديثاً  .فما حدث للثور قديماً قد يحدث ( لحفيده ) اليوم ، وما حدث للأندلس قديماً قد يتكرر الآن في فلسطين وغيرها .

5- ويطوف بنا الشاعر في معالم الأندلس يتحسر ويثير حسرتنا معه على ضياع جزء ثمين من حضارة هذه الأمة  في الماضي، حيث يتوقف الشاعر في قصر الحمراء وجوامع قرطبة وأعمدة اشبيلية ومعالم أخرى كانت  منارات لأوروبا وغيرها في القرون الوسطى ، وكلما أطال الوقوف هاجت الذكريات والأحزان في أعماقه وارتفع صوت الأنين والحنين إلى هذا القلب المبتور من جسد الأمة وتاريخها المندثر يقول :

 

          كان أفضل ألا أجيئك يا قرطبة

          فما كنت أعرف

          موت الزمان ، وها قد رأيت الجماجم والأفئدة

        وحتى رأيت الفناء على ساحة الأعمدة

          وأدركت أن الزمان توقف في معبد .

          " كان يدعى بجامع قرطبة "

          هنا كان عبد الرحمن يبني

          ويجلس متكئاً على السارية

          كان يبني مجداً وكان الفناء يؤسس مملكة فانية   ( الديوان ، ص46 )

 

     تتكثف  المرارة في نفس شاعرنا وتفسد عليه شوقه وحنينه وتعلقه بقرطبة وبالأندلس حتى يتمنى لو أنه لم يزره. فهذه الأمجاد  الضائعة فتحت جراحه على وسعها، وهذا الساحات والمعابد والمساجد زادته إحباطاً على إحباط ويأساً على يأس ، إنه يرى كيف ( يموت الزمان ) وتندثر الأمم وتفنى الحضارات ويتهدم البنيان ، فهذا ( الصقر ) الذي كان يبني ( الأمجاد ) والممالك الخالدة تدور على أمجاده الدوائر وتهجم على مملكته الأزمان الكئيبة وتدفع ببنيانه إلى الانهيار و الفناء والاندثار .

6- أما التناص التاريخي الأخير الذي نتوقف عنده في هذه الدراسة ، فهو استحضار أحد حكام الأندلس الذين اسهموا في انهيارها وضياعها، وربطه بشكل رمزي إيحائي بقادة هذه الأمة، من باب التحذير من مثل ذلك المصير الذي انتهى  إليه عبد الرحمن الثاني ومصير الأندلس بشكل عام. وفي هذا المقطع يأمل الشاعر من الوالي أو القائد أو الملك قديماً وحديثاً

أندلسياً أو معاصراً أن يحسب حساب شعبه وأن يتدبر شؤون رعيته وأن يضع وطنه في القلب والعين قبل أن يفوت الأوان وتدور عليه الدوائر ، يقول :

 

          يا عبد الرحمن

          لو أشركت الشعب معك

          لو كان لشعبك ما لك

          لفداك وما باعك

          لكن لما بعت الشعب

          وخص الملك عيالك

          وقبيلتك الأولى ورجالك

          نصب الدهر شراكك

          وفنيت وأخذ الأعداء الملك ومالك      ( الديوان ، ص 49 )

 

فعبد الرحمن في الأندلس هو نموذج لأي قائد يتخلى عن دوره الحقيقي في قيادة الأمة إلى بر الأمان ؛ إن الشاعر يحاكمه هنا بعد أن أخفق وجنى على نفسه وعلى وطنه، ويتمنى لو أنه أخلص في تدبير شؤون رعيته الذين ائتمنوه على حياتهم ومصيرهم وبلدهم ، ولكنه لم يفعل ومن لا يفعل ذلك سيواجه هذا المصير ، فمن يبع شعبه يبعه هذا الشعب، ومن يحصر الملك في أهله ويعادي أبناء وطنه يخسر الملك والأهل والأبناء .

          إن الشاعر يقدم صورة مألوفة في تاريخ الأمم والشعوب قناعها أحد حكام الأندلس الذين فرطوا بالأمانة واحتكروا السلطة وباعوا الشعب وقصروا الاهتمام على أنفسهم وعلى مصالحهم، فضاعت البلاد وهلك العباد بعد ذلك، وبسبب ذلك. وهذا القناع يخفي وراءه ،أو يرمز إلى كل قائد أو حاكم أو مسؤول في أي زمان ومكان ، وهي مسألة يحسمها التاريخ والإنجازات والوقائع .

             فعبد الرحمن نموذج للخذلان والخيبة والخيانة وانتهى إلى دفع ثمن غال ، فالدهر ( نصب له شراكه ) والعدو انقض عليه ( وعلى ملكه ) وتقلبات الحال انقلبت عليه وأحالته  إلى الفناء والانتهاء؛ وفي المقابل على هذا القائد أن ( يشرك الناس ) في أمور الأمة وأن يوفر لهم عيشا كريما ويشعرهم بالأمان والعدالة والاهتمام ( لا يبع بهم ولا شراء ) وأن يكونوا معه لا عليه في الملمات والمحن ، فإن كان كذلك فإنهم ( لن يبيعوه ) إذا اشتراهم، ولن ( يخذلوه ) إذ افتداهم، ولن يسمحوا ( للأعداء أن يفنوه ) بعد أن حماهم، وإنما مصيرهم واحد وقلبهم  واحد، كما يقول الشاعر.

ثانياً : التناصات الأدبية :

 

          إلى جانب التناصات التاريخية للشخصيات والأعلام والأماكن والمعالم الكثيرة التي تداخلت وتناصت في قصيدة ( ساليدا الخروج ) كما ناقشنا سابقا، فإن التناصات الأدبية من خلال  الشعراء وقصائدهم والأدباء الأندلسيين والأسبان والأمثال والأقوال وغيرها التي ترد في القصيدة  تتداخل وتتناص مع القصيدة بشكل متسق ومنسجم وموضوعي .

1- ومن أهم التناصات الأدبية التي يستحضرها الشاعر ويوظفها البيت الشعري المعروف الذي ارتبط بعد ذلك بنهاية العرب في الأندلس حين رددت الأم أمام ابنها ( أبو عبد الله الصغير ) بعد استسلامه وتسليمه مفاتيح الأندلس باكية حزينة :

ابك مثل النساء مجداً مضاعا         لم تحافظ عليه مثل الرجال  

                                                           (الديوان،ص 46)

حيث أصبح هذا القول نعياً أو مرثية لضياع هذا الجزء الكبير من الحضارة العربية والإسلامية.

          وفي هذه القصيدة / المرثية للأندلس لا يفوت بدران فرصة الإشارة إلى هذا البيت /  التناص فيدخل في نسيج قصيدته لكي يعمق بكائيته ويحاكم من فرّط بالوطن،وضيع هذا التاريخ المجيد.(فليبك)..إذن،  أبو عبد الله الذي فرط بالأندلس مثل النساء لأنه أضاع هذا المجد ولم يحافظ عليه كما يفعل الرجال، لكن البكاء لا يعيد ما ضاع والدموع لا تسترد قرطبة .

2- أما التناص الأدبي الآخر في القصيدة فيحيلنا الشاعر  من خلاله إلى زرياب المغني والشاعر المعروف الذي يذكر بعض أسباب الانهيار في  الأندلس ،  يقول :

يا خليفة هذا الزمان

          أنقذ الآن شعباً وملكاً

          وزرياب غني له

          يا حارس البلاد                       يا غاية المراد

          لولاك ما أتي                                   الله بالعباد

          فينتشي الخليفة                      

          وأين شهرزاد

          طلب الخليفة حينذاك

          من شهر زاد بأن تهز له الوسط                ( الديوان ، ص 46 74 )

 

          فبداية سقوط الأندلس هي بداية سقوط حكامها وولاتها ، بداية تناحرهم وفرقتهم وعبثهم ومجونهم واتجاههم إلى الملذات واللهو ، فلا بد أن تنهار القيم وتهون الأمجاد وتسقط أقوى الحضارات في مثل هذه الأحوال ، فالخليفة ( في انتشاء واستمتاع ) والنساء ترقص وتهتز في لياليه الصاخبة ، والغناء يقدسه ويمجده ( فلولاه لم يخلق الله البعاد ) أنهم خلقوا ليكونوا الرعية المطيعة، والراعي هذا لابد أن يشعر في مثل هذه الأجواء ومن خلال هذه العبارات التقديسية أنه ( ظل الله في الأرض ) وأنه يفعل ما يشاء وكل شيء لأنه فوق كل شيء .

ولأنه كذلك ضيع البلاد والعباد ، يرى الشاعر ضيع ( الهلال ) والقيم والدين واهتز مـع ( وسط شهرزاد ) فلابد أن يكون المصير الخروج من الأندلس إلى غير رجعة؛ لأن الذي يبني الحضارات يقضي العمر في الإنجاز والارتقاء بالأمة إلى المجد والقوة والعلم والخلود ، لا أن يقضي العمر بين أجساد الجواري المتمايلة والمجون الذي يهدم ما أنجز غيره ويضيع أوطاناً وشعوباً ومنجزات خالدة .

3-  ويعرج بدران في تناصاته الرامزة الفنية على ابن زيدون وولادة بنت المستكفي ، ففي مرثية للأندلس لا يستطيع الشاعر أن يغفل أحد أركان هذه الحضارة وهذا الأدب والشعر، وخير من يمثل ذلك ابن زيدون وآخرون، نشير إليهم بعد قليل. ويستحضر الشاعر بدران هذه الحواريات الشعرية بين العاشقين : ابن زيدون وولادة حيث تقول ولادة :

ومنك ومن زمانك والمكان
إلى يوم القيامة ما كفاني

 

 

أغار عليك من عيني ومني
ولو أني خبأتك في عيوني

 

فيهمس في أذنها ( ابن زيدون )

وإن حضرت فكل الناس قد حضر

 

 

إن غبت لم الق إنساناً يؤانسني

 

 

لم يبق في قرطبة

          غير شاهد قديم

          واروه  بين ساحة مهجورة لشاعر وشاعرة-

سأبيع أوراق القصيدة للعدم                            ( الديوان ، ص 5. )

 

 

          تتداخل أو تتناص في هذا المقطع من القصيدة أصوات ابن زيدون وولادة الشعرية محدثة اندماجاً وامتزاجاً فنياً وموضوعيا في نسيج القصيدة وفي فكرتها . فحوار ولادة وابن زيدون، حوار العاشقين المتيمين هو حوار الشاعر بدران مع قرطبة /  الأندلس حوار العاشقين أيض. ومثلما ( دفن الشاعر والشاعرة ) في ( ساحة مهجورة في قرطبة )، يرى بدران، أنه وعاشقته الأندلس  مدفونان مثلهما في ساحة التاريخ المهجورة ، ولذا تتناثر أشعاره وأشعار ابن زيدون وولادة . أي أرواحهم جميعاً وأحلامهم جميعاً ومراثيهم.. تتناثر وتذهب هباء وسدى ( للعدم ) .

          إن تناص ابن زيدون وولادة في نسيج هذه القصيدة يتسق وينسجم مع جوها العام وموضوعها الرثائي وموقفها الاحتجاجي. فابن زيدون وولادة عاشقان مرتبطان بمصير واحد لا حياة لأحدهما من دون الآخر ، فهي تريد أن تخبئ هذا المحبوب ( في عينها إلى يوم القيامة ) إنها العاشقة الأبدية، لكن ابن زيدون لا يقل حبا وعشقا وارتباطاً بمحبوبته عنها، التي إن غابت عنه غابت الدنيا عنه ( وإن  حضرت ) فالناس والحياة ومعنى وجوده ( قد حضر ) .

          فهذه العلاقة الوثيقة وهذا الحب المطلق إلى حد التفاني والتوحد هو الذي استدعى هذا التناص إلى قصيدة بدران ، فالأندلس الحبيبة المتوحدة مع الشاعر لا يمكنه الانسلاخ عنها ولا يمكنه الحياة بغيابها، إنه يستعيد معنى حياته وتاريخه ووجوده بوجودها وحضورها ، فإن غابت غابت الدنيا كلها من حوله.

وبدران يرصد مصير العاشقين كما يرصد مصير الأندلس، ويحس مطعوناً محزوناً ان المصير المأساوي كان واحداً للعاشقين ابن زيدون وولادة من ناحية ، وهو والأندلس من ناحية أخرى ، فالعاشقان قد تفرقا وانفصلا انفصال الروح  عن الجسد، والشاعر قد انفصل عن ( أندلسه ) كانفصال الروح عن الجسد أيضا، وغدوا جميعاً جزءا من الماضي المهجور والأطلال المنسية كشاهد قديم ينتصب في شارع منزو من شوارع قرطبة الضائعة .

 

4- وتنداخل تناصات شعرية أخرى في ثنايا القصيدة لتعميق الجرح الأندلسي لدى الشاعر من جهة، ولتجسيد شواهد المأساة التي تبقى على مر الأزمان كذاكرة لأمة فقدت تاريخاً عظيماً وحضارة عظيمة،من جهة أخرى. وهذا التناص لشاعر مجهول ، يقول :

 

منهن قنطرة الوادي وجامعها
والعلم أعظم شيء وهو رابعها

 

 

بأربع فاقت الامصار قرطبة
هاتان ثنتان والزهراء ثالثة

 

 

لم يبق غير الشعر

وكف من صاغه                 ( الديوان ، ص 5. )

 

     فهذه الأبيات الشعرية المنقوشة على جدران قرطبة لشاعر مجهول تخلد هذه المدينة العظيمة وتذكر معالمها وفضلها وتفوقها على بقية المدن والأمصار،  ومن معالم هذا التفوق ( قنطرة الوادي ) ( والجامع ) و ( الزهراء)  ثم ( العلم ).. وهي شواهد باقية كذاكرة للأمة التي شيدتها وأنجزتها ثم رحلت عنها ، فلم يبق منها إلا الأشعار التي خلدتها واليد التي كتبتها ونقشتها فوق هذه الجدران الرخامية الخالدة .

          والشاعر بدران يختار هذين البيتين ويدخلهما في نسيج قصيدته في بنية تناصية متسقة ومعبرة عن الأفكار التي تتصارع في عالمه الداخلي ، فمنذ بدايــة القصيدة وهـــو مسكون بهاجس ( الخروج ) وضياع الأندلس ، وكلما مر بحي أو مدينة أو شاهد أو ذاكرة للأمة الراحلة المستسلمة ازداد قهراً وحزناً وحسرة على عظم المصاب وعمق المأساة. ويأتي هذان البيتان في سياق الفجيعة التي يسترجع شواهدها وصورها ويحس أنهما تجسيد عميق للذكريات الأليمة التي تواجهه في كل مكان في الأندلس .

          فقرطبة التي بشهادة أهلها وشعرائها، وبشهادة التاريخ أيضا، من أهم المدن والأمصار في العالم. وهذه المعالم الخالدة التي يجسدها البيتان تشير إلى ذلك وتفخر بذلك ، لكن بدران يوسع دلالة تناصاته ليقول :هذه المفاخر وهذا المعالم العظيمة أصبحت نسياً منسياً  بالنسبة لهذه الأمة التي سلمتها للأغراب ، وهوت في واد سحيق لم تخرج منه من أيام خروجها من الأندلس حتى يومنا هذا .

 

5- وتتكثف التناصات الأدبية والمعرفية من خلال الإشارات والإحالات الكثيرة في القصيدة إلى شعراء الأندلس وأدبائها وعلمائها ومؤلفاتهم العظيمة ، فيستحضر : ابن الخطيب ، وابن زياد، وابن عربي ، وابن بسام ، وابن رشيق، وابن رشد، والحسن الوزان وكثير من كتاباتهم الشهيرة، يقول :

 

          فلا مينكو

          أتمشى في ساحة الرملة

          كانت الفتيات يرقصن 

          دكت الفتيات الأرض بأقدامهن

          ودكت جماجم ابن الخطيب ونزهة المشتاق وابن زياد

          وكنت الوحيد الطريد

          ينز الثرى ويخرج دم ، وتعلو الجماجم

          يا ابن العربي : لماذا لم تدون بسفرك هذا الفناء .

          لماذا كتمت ؟ فيصرخ فيّ :

 

أدين بدين الحب أنّى توجهت     ركائبه،  فالحب ديني وإيماني

 

تضرم النار بسام الجزيرة ، عمدة ابن رشيق أقوال القصيدة

ترقص الفتيات

وسط الدماء ووسط الحريق

          يضيء الحريق ظلامك غرناطة

          ويبقى الفناء..                          ( الديوان ، ص 52 ) 

 

     هكذا تتكثف التناصات في قصيدة بدران وتشكل لوحة دامية صاخبة، ألوانها الدماء، وخطوطها الحرائق والدخان، وإيقاعها الرقص والمجون، وخلفيتها الجماجم والجثث والقتلى. إن الشاعر في هذه اللوحة في قمة السخط  والثورة والانفجار على هذا الخراب الذي حل بقرطبة /  الأندلس عبر الأزمنة ، وعلى هذه الدماء التي نزفت وبللت تراب الأندلس ، وعلى هذه الحرائق التي أتت على ( الأوراق والمعارف والمؤلفات والتاريخ المشرق لحضارة عظيمة في الأندلس)  كلها أصبحت خراباً وفناء اندثرت مع اندثار العرب والمسلمين في ساحات غرناطة وقرطبة والزهراء واشبيلية وغيرها ...

          وفي لحظة احتجاج وانهيار على هذا الضياع الذي يفوق كل وصف، يصرخ الشاعر بابن عربي، الشاعر الصوفي والفيلسوف المعروف والشاهد على كل هذا الدمار والخراب، يصرخ به أن يفضح هذه الجرائم والكوارث التي حلت بأندلس العروبة والإسلام. لكن ابن عربي يقول قوله المشهور ( الحب ديني وإيماني )، إشارة إلى اليأس من دموية البشر وانغماسهم في الصراعات الداخلية من ناحية، وإحالة إلى أن الشر قد استفحل وأن القيم قد ماتت وأن أمة بلا حب أو قيم أو مبادئ   يجب الزهد فيها والترفع عنها والتشبث ( بدين الحب) ، الحب الروحي الإلهي الذي يكون فيه الخلاص والملاذ من هذه الدماء وذاك الخراب .

 

6- ويوسع الشاعر بدران ثانية دوائر تناصاته الأدبية ويعرج على شعراء أسبانيا المعاصرين وفنانيها ومفكريها الذين ورثوا هذه الحضارة العظيمة واقتبسوا من نورها واهتدوا بمنجزاتها الخالدة، التي كانت شواهد شامخة أمام أعينهم ، فيبحث عن ( لوركا ) و ( باولا ) و ( بيكاسو ).. يسائلهم عن هذه الأمجاد القديمة التي صنعت هذا التاريخ والتراث الحضاري لهم و لأسبانيا الحديثة ، يقول :

 

          فتشت عن لوركا وعن قصائده

          عن الجن التي تجيء إن غني بقرطبة

          فينصبون لي محاكم التفتيش

          بيكاسو

          وخروج أجدادك من ( ملقة ) لم يلهمك

          لترسم

          لوحة عادلة

          لو أستطيع

          أن أملأ السماء من عذابي

          لارتفعت مياه الأنهار للسماء                 . الديوان ، ص 47 ،49 ،53 ) . 

 

     إن ( لوركا ) الشاعر الثوري العظيم و ( بيكاسو ) الرسام الشهير و(باولا ) أحد شعراء أسبانيا الكبار، كلهم حملوا على أكتافهم حضارة الأندلس الراقية ، وغدوا نتاجاً لها في أسبانيا المعاصرة. والشاعر هنا يريد شهادتهم واعترافهم بمن غرس وزرع وروى وبنى هذه الحضارة العظيمة لتنتج مثل هؤلاء العمالقة في هذا العصر .

          إنه يفتش عن ( لوركا ) الذي كانت أشعاره أقوى من الرصاص ضد الاستعمار في القرن العشرين، وكان يعد ثوريا وتحريضياً في بلادنا في مرحلة من المراحل.. وقد يحول المرء إلى ( محاكم التفتيش ) إن ردد أشعاره. إنه يبحث عنه اليوم في أسبانيا ليعيد للثورة اشتعالها وللمقاومة روحها التي انطفأت في هذا  العصر في أرجاء هذا الوطن المنكوب: الذي أضاع  تاريخه  (وأندلسه ) وتضيع منه ( أندلسات ) في الطريق .

          ثم يستوقف الشاعر(بدران) الرسام الشهير ( بيكاسو ) الذي ينحدر من  (ملقة ) ومن أسبانيا / الأندلس، ويعاتبه على أنه لم يخلد هذه الحضارة العظيمة في لوحاته الشهيرة الخالدة ، فهو شاهد عيان مهم ، وكان عليه أن يرسم  (لوحة عادلة ) يعترف بها لأهل الفضل بفضلهم وللحضارة الأسبانية بمؤسسيها ومشيديها وبناتها من ايام صقر قريش ولثمانية قرون خلت .

          ثم يقتبس تناصه الأخير من الشاعر الأسباني ( باولا ) الذي اختصر عليه كثيراً من العبارات والبكائيات في هذه اللحظات  العصيبة في أعماق الشاعر ،  ويستحضر هذه الأبيات الحزينة التي تجسد مدى الأسى  والألم في أعماق الشاعرين:( باول)ا وبدران، فإن الآلام الكثيرة المستقرة في أعماق شاعرنا  تجعل مياه البحر تفيض وتغطي السماء ، كما لخصها (باولا) في أبياته، وكأن مرارة الشاعرين واحدة، وعذابهم واحد ، لا يحده حد ، وهي صورة مؤثرة تجعل من مرثية الأندلس جرحاً نازفاً على مر الأزمان عند شاعرنا الثائر المتألم،  كما توحي هذه الأبيات التي تتناص مع قصيدته وتمتزج بصوره وتثير معاناته وأفكاره .

 ثالثا : التناصات الأسلوبية :

 

          وينوع الشاعر بدران في تناصاته الأسلوبية كثيراً في هذه القصيدة، إذ تتداخل في صوره ولغته وإيقاعاته وموضوعاته أساليب المعلقات وأساليب الصوفية وأساليب القرآن الكريم؛ وكل أسلوب يؤدي وظيفيته الفنية والفكرية في عالم القصيدة . فالإشارة إلى المعلقات تظهر في عنوان القصيدة ( ساليدا الخروج ) حيث يتبعها بعبارة ( معلقة الخروج ) وهي إشارة إلى القصيدة المعلقة أو الملحمة أو البكائية المأساوية المطولة .

          كما تتضح أساليب المتصوفة من خلال العبارات الدينية المجازية والرمزية وذكر ابن عربي وأشعاره وتوظيف كثير من صور الأجواء الصوفية. وسنتوقف عند أحد التناصات الأسلوبية وهو أسلوب القرآن الكريم، الذي يأتي منسجماً ومتسقاً مع سياق القصيدة. وهذا التناص القرآني يأتي في المقطع الأخير من القصيدة  وله  دلالاته الكثيرة والعميقة في بنية القصيدة من ناحية، وفي طروحاتها الفكرية من ناحية أخرى .

          فبعد هذا الطواف عبر تاريخ الأندلس وبعد طوفان الألم والتحسر على ضياع هذا التاريخ وهذه الحضارة، يستجمع الشاعر شظاياه التي تبعثرت مع المدن المبعثرة (قرطبة وغرناطة وأشبيلية وغيرها) ويطلق صرخته الحادة وقسمه القوي وفتواه الثائرة، يقول : 

 

          سأفتي لكم

          فتوى لم يفتها أحد

          وأقسم:

          بهذا البلد

          سأفتي لكم فتوى

          تأخرت قرونا خمسة

          ولم يجهر بها أحد

          وربما تعيد الروح للجسد

          الحج قرطبة !!              ( الديوان ، ص 54 ) 

 

     تنطلق فتوى الشاعر من حالة غضب تراكم عبر التاريخ، غضب تجمع في الصدر وانحبس إلى حد الانفجار، وحين انفجر صرخ  الشاعر بهذه الأمة أن قبلتكم الجديدة وحجكم الجديد يجب أن يتجه إلى ( قرطبة ). وهو اتجاه رمزي أو فتوى مجازية لا يقصد بها البعد الديني الحرفي وإنما استعادة قداسة القضية والالتفات إلى الحق الضائع والحفاظ على هذه الحضارة العظيمة والانتباه إلى حقوق أخرى في طريقها إلى الضياع ، فقد تعود المأساة ثانية وتكثر الجروح في جسد هذه الأمة التي تفضي إلى موتها وفنائها عضواً تلو عضو وبلداً تلو بلد ، إن لم تصبح هذه الفتوى بمعناها ومبناها عهداً ووعداً وهدفاً لهذه الأمة العريقة التي تتهاوى زمناً بعد زمن .

          إن فتوى الشاعر التي استهلها بالقسم احتاجت معنى ومبنى، أسلوبا ومضموناً، إلى أسلوب القرآن الكريم في سورة ( البلد )، فهي، أسلوباً وإيقاعاً، تنسجم وتستقيم مع القصيدة. وهي، معنى وفكراً، تجسد الإرادة والعزيمة والإصرار على إحقاق الحق وإنجاز القسم وتحقيقه.فالله يقسم بمكة ( البلد ) في القرآن، وشاعرنا يقسم بالأندلس، وإذا كان الله قد حقق لنبية ولأمته النصر في مكة وفي بلاد الدنيا، فإن الشاعر يأمل أن يتحقق مثل هذا النصر  لهذه الأمة في ( أندلسها ) وفي بلاد أخرى كانت لها وضاعت أيض... وفي بلاد هي لها الآن ولكن في طريقها إلى الضياع .

          إن المقطع الختامي في القصيدة بتناصه القرآني عميق الدلالات وغني الإحالات ، فهذا القسم أمر ملح وفوري لا يحتمل التأجيل، وهذه الفتوى وعد أو قرار تأجل تنفيذه خمسة قرون ( ولم يجهر به أحد )، وعلى هذه الأمة أن توجه بصرها وطاقتها ( وحجها ) وتقديسها وهدفها إلى ( قرطبة )، إلى تلك الحضارة التي شيدتها لثمانية قرون في الأندلس وضيعتها في عصور الانحطاط والانهيار والذل .

 

1-محمد أبو الفضل بدران،ديوان(ديوان بدران)مركز الحضارة العربية،القاهرة(2..1) 

 

الصفحة الرئيسية

English Edition

 السيرة الذاتية

قصائد مختارة

مؤلفاته

أخبار أدبية

رؤى نقدية فى شعر بدران

صور

االاتصال بالشاعر

English Edition

 

للاتصال بالشاعر
Email: badranm@hotmail.com